نشر بتاريخ الخميس, 27 يونيو 2013 19:28 PM
كتبت: دينا أبوالمعارف
لا يمكن وصف الشيخ تميم بن خليفة آل ثاني بالمبتدئ في التعامل مع الشئون الدولية، فأمير دولة قطر الجديد تعمد الاندماج في شئون السياسة الداخلية والخارجية في السنوات الأخيرة، ما أتاح الفرصة أمام المراقبين لتوقع أن يسير الابن على درب الأب الأمير حمد بن خليفة ورئيس وزراءه ووزير خارجيته الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني لاستكمال أهداف الدوحة في الارتقاء بدورها وبسط نفوذها على المستوى الإقليمي والدولي.
وهو ما أكده في أول خطاب له مساء أمس بعد توليه الحكم، حينما قال إن قطر ملتزمة بواجباتها تجاه التضامن والتعاون العربي في أطر مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومؤسساتهما، وتفعل كل ما في وسعها لمساعدة الأشقاء العرب حين يلزم.
وما أن تخلى الشيخ حمد عن الحكم، حتى خرجت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية بتقرير مطول عن أمير قطر الجديد تحت عنوان "تميم بن حمد.. الرجل الذي خاف أن يسأله الله: لماذا لم تساعد مصر؟". وغرق التقرير في امتداح الشيخ تميم، ووصفه بأنه "أحد أكثر الحكام العرب محبة لمصر وشعبها، وترجم ذلك إلى أفعال عديدة مؤخرا".
وأشارت الوكالة إلى أن عدة وسائل إعلام دولية - لم تذكرها - وصفته بأنه "داهية من دهاة السياسة العربية"، وأنه "هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأمريكي الأسبق) العرب"، لنشاطه الدبلوماسي المكثف، مما يعكس بطريقة ما الموقف الرسمي الذي يميل إلى توثيق العلاقات من قطر وتمهيد تقديم الأمير الجديد للمصريين.
الشيخ تميم زار مصر في يونيو 2011، وأعلن حينها تبرع قطر بـ 500 مليون دولار للخزانة المصرية لوقف تدهور الجنيه المصري أمام الدولار بعد أن فقد جزءا كبيرا من قيمته خلال أحداث الثورة. وصرح وقتها بأن مساندة مصر واجب على كل عربي سنسأل عنه جميعا أمام الله.
لكن الاستثمارات القطرية في مصر تحوّلت إلى جدلٍ بالشارع المصري، خاصة بعد تسريب شائعات حول منح قطر امتياز الاستثمار في قناة السويس وتأجير الآثار المصرية، وهو الأمر الذي قلب الشارع المصري ووسائل الإعلام للبحث والتفتيش عن نوايا قطر الخفيّة، إلى أن تم نفى هذه الشائعات من القاهرة والدوحة، وتأكيد القيادات القطرية على أن دعمهم للثورة المصرية لا يقف وراءه هدف محدد.
وبجانب هذه الشائعات كان هناك من يتحدث عن سعى قطري لبسط نفوذها على مصر واستغلال أزمتها الاقتصادية، وهو ما نفاه الرئيس محمد مرسى في حواره مع قناة الجزيرة القطرية، مؤكدا أنّ علاقات مصر الخارجية تقوم على "الندّية"، وإنّه يقدر دعم قطر المالي لمصر التي تواجه أزمة اقتصادية، لكن هذا لا يعنى أن "تبيع مصر قناة السويس للدوحة، قائلاً أرض مِصْر حرام على غير المصريين".
السخاء القطري
وكان البنك المركزي قد كشف عن ارتفاع حجم الاستثمارات القطرية التى دخلت مصر بمعدل 74% خلال الربع الثالث من عام 2011/2012 بنحو 9.8 مليون دولار لتقفز إلى 13.2 مليون دولار، ليصل حجم الاستثمارات القطرية فى مصر إلى 572 مليون دولار، تضخ من خلال 155 شركة قطرية.
ويتشكك كثير من المصريين في أغراض السخاء القطري ويتندرون على إنفاق الدوحة مليارات الدولارات لمساندة القاهرة فيما تتعرض له من أزمات اقتصادية، إذ قدمت لمصر 5 مليار دولار حتى الآن، في خطة جزئية لضخ 18 مليار دولار، فيما بين شراء سندات ودخول رجال أعمال قطر باستثمارات مصرية بحلول عام 2020. لكن على الجانب الآخر، يرى بعض المراقبين أن نخب معينة تستمر في الحكم على قطر بمعايير النظام القديم نفسها، نتيجة لحالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده البلاد.
ويشار إلى أن صحيفة الأخبار الحكومية، كانت قد صدرت مؤخرا بمانشيت أثار الكثير من الجدل، إلى حد سحب الطبعة الأولى من الجريدة لتغييره، وهو "ماما قطر توفر الغاز لمصر"، وهو ما اعتبره سياسيون إهانة - إعلامية - متعمدة لمكانة وتاريخ مصر، وظلت محل سخرية كثير من المصريين كان أبرزها الكوميدي الساخر باسم يوسف في برنامجه الشهير.
توجه إسلامي
ويشاع أن الشيخ تميم ذو طبيعة محافظة تميل إلى جماعة الإخوان المسلمين، ويبدو هذا جليا في موجات الدعم القطري في أوقات الأزمات، والتي كان آخرها تقديم 5 شحنات من الغاز الطبيعي المسال بقيمة 300 مليون دولار كهدية للشعب المصري، لحل أزمة انقطاع الطاقة الكهربائية، على أن يبدأ تسليم هذه الشحنات اعتبارا من نهاية يوليو المقبل وحتى منتصف سبتمبر.
وتجلى انحياز قطر الواضح للحكومات الإسلامية التي جاءت إلى سدة الحكم في تونس ومصر على الأخص، في تغطية قناة الجزيرة الإخبارية التي خسرت 5 ملايين من مشاهديها تقريبا حول العالم العربي، وباتت تفتقر للدقة لاعتبارها ذراع سياسية لقطر، التي تراهن على أن الإخوان سيصبحون أكثر قوة فى العقود المقبلة.
وليس من الواضح حتى الآن إذا ما كان ذلك الدعم سيؤثر على علاقات الشيخ تميم بجيرانه الخليجيين، على رأسهم الإمارات في مجلس التعاون الخليجي، إذ أنها تشعر بغضب إزاء تنامي علاقة قطر بالإخوان، وبدأت بالعمل على تقويض النفوذ القطري في كل المجالات داخل المجلس.
ومن المتوقع أن تكشف الشهور القادمة، علاقة تميم بالغرب الذي لا يزال متشككا من نوايا قطر من دعمها للإخوان، وكل ذلك يعد مصدر قلق لواشنطن وحلفائها. ولن تشهد سياسات قطر تغيرا ملحوظا بعد الانتقال الطوعي والسلس في السلطة من الشيخ حمد إلى نجله، لكن غالبية المراقبين يتوقعون أن يكون هناك مزيدا من السرعة والحيوية والحسم بفعل الفارق الطبيعي بين الأجيال.
أسباب الدعم
وتساءلت مجلة "نيوزويك" الأمريكية، قبل أيام، عن الأسباب الحقيقية وراء الدعم القطري لنظام الرئيس محمد مرسى بعد أن أوشك اقتصاد بلاده على الانهيار، جراء ما تعانيه البلاد من أزمة اقتصادية قاسية. المجلة أجابت: بأن الدعم القطري يأتي بهدف "شراء نفوذ" لها في المنطقة.
ونقلت المجلة عن مدير سياسات برنامج الطاقة بالخليج سيمون هندرسون قوله، إن قطر تدعم الآن الإسلاميين في كل من تونس ومصر، وأفرعهم المختلفة كما في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة المقاومة الإسلامية حماس، لأنهم القوة الصاعدة في العالم العربي.
لكن على الجانب الآخر، يرى مراقبون أن ما تساعد به قطر مصر أو الدول العربية لم يخرج عن السياق العام حتى الآن، لذلك فإن الهجوم عليها ليس مبررا، وأن المساعدات عبر شراء سندات خزانة صورة من صور المساعدات، مثلما اشترت الصين سندات لمساعدة اليونان في أزمتها الاقتصادية.
الفكرة ذاتها، أكدها بن جاسم، حينما قال إن بلاده لا تريد وضعا خاصا للتعاون مع مصر ولا تطلب شيئا من حكومتها مقابل الدعم القطري الذي يأتي من منطلق أخوي وقومي وأكد أن مستثمرين قطر سيدخلون المزادات مثلهم مثل الآخرين وأن الدوحة ستدخل في مشروع قناة السويس مثلها مثل الدول والشركات الأخرى.
وأخيرا، يأتي تولي الشيخ تميم زمام الأمور في مرحلة مفصلية تمر بها البلاد مع انتظار معارضي الرئيس لـ"30 يونيو" للانقلاب على نظام الإخوان، وفي المقابل يستجمع مؤيديه قواهم لمواجهة تلك المحاولة، وعليه ربما تتغير العلاقات مع قطر من جديد وعلى أسس جديدة.
كتبت: دينا أبوالمعارف
لا يمكن وصف الشيخ تميم بن خليفة آل ثاني بالمبتدئ في التعامل مع الشئون الدولية، فأمير دولة قطر الجديد تعمد الاندماج في شئون السياسة الداخلية والخارجية في السنوات الأخيرة، ما أتاح الفرصة أمام المراقبين لتوقع أن يسير الابن على درب الأب الأمير حمد بن خليفة ورئيس وزراءه ووزير خارجيته الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني لاستكمال أهداف الدوحة في الارتقاء بدورها وبسط نفوذها على المستوى الإقليمي والدولي.
وهو ما أكده في أول خطاب له مساء أمس بعد توليه الحكم، حينما قال إن قطر ملتزمة بواجباتها تجاه التضامن والتعاون العربي في أطر مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومؤسساتهما، وتفعل كل ما في وسعها لمساعدة الأشقاء العرب حين يلزم.
وما أن تخلى الشيخ حمد عن الحكم، حتى خرجت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية بتقرير مطول عن أمير قطر الجديد تحت عنوان "تميم بن حمد.. الرجل الذي خاف أن يسأله الله: لماذا لم تساعد مصر؟". وغرق التقرير في امتداح الشيخ تميم، ووصفه بأنه "أحد أكثر الحكام العرب محبة لمصر وشعبها، وترجم ذلك إلى أفعال عديدة مؤخرا".
وأشارت الوكالة إلى أن عدة وسائل إعلام دولية - لم تذكرها - وصفته بأنه "داهية من دهاة السياسة العربية"، وأنه "هنري كيسنجر (وزير الخارجية الأمريكي الأسبق) العرب"، لنشاطه الدبلوماسي المكثف، مما يعكس بطريقة ما الموقف الرسمي الذي يميل إلى توثيق العلاقات من قطر وتمهيد تقديم الأمير الجديد للمصريين.
الشيخ تميم زار مصر في يونيو 2011، وأعلن حينها تبرع قطر بـ 500 مليون دولار للخزانة المصرية لوقف تدهور الجنيه المصري أمام الدولار بعد أن فقد جزءا كبيرا من قيمته خلال أحداث الثورة. وصرح وقتها بأن مساندة مصر واجب على كل عربي سنسأل عنه جميعا أمام الله.
لكن الاستثمارات القطرية في مصر تحوّلت إلى جدلٍ بالشارع المصري، خاصة بعد تسريب شائعات حول منح قطر امتياز الاستثمار في قناة السويس وتأجير الآثار المصرية، وهو الأمر الذي قلب الشارع المصري ووسائل الإعلام للبحث والتفتيش عن نوايا قطر الخفيّة، إلى أن تم نفى هذه الشائعات من القاهرة والدوحة، وتأكيد القيادات القطرية على أن دعمهم للثورة المصرية لا يقف وراءه هدف محدد.
وبجانب هذه الشائعات كان هناك من يتحدث عن سعى قطري لبسط نفوذها على مصر واستغلال أزمتها الاقتصادية، وهو ما نفاه الرئيس محمد مرسى في حواره مع قناة الجزيرة القطرية، مؤكدا أنّ علاقات مصر الخارجية تقوم على "الندّية"، وإنّه يقدر دعم قطر المالي لمصر التي تواجه أزمة اقتصادية، لكن هذا لا يعنى أن "تبيع مصر قناة السويس للدوحة، قائلاً أرض مِصْر حرام على غير المصريين".
السخاء القطري
وكان البنك المركزي قد كشف عن ارتفاع حجم الاستثمارات القطرية التى دخلت مصر بمعدل 74% خلال الربع الثالث من عام 2011/2012 بنحو 9.8 مليون دولار لتقفز إلى 13.2 مليون دولار، ليصل حجم الاستثمارات القطرية فى مصر إلى 572 مليون دولار، تضخ من خلال 155 شركة قطرية.
ويتشكك كثير من المصريين في أغراض السخاء القطري ويتندرون على إنفاق الدوحة مليارات الدولارات لمساندة القاهرة فيما تتعرض له من أزمات اقتصادية، إذ قدمت لمصر 5 مليار دولار حتى الآن، في خطة جزئية لضخ 18 مليار دولار، فيما بين شراء سندات ودخول رجال أعمال قطر باستثمارات مصرية بحلول عام 2020. لكن على الجانب الآخر، يرى بعض المراقبين أن نخب معينة تستمر في الحكم على قطر بمعايير النظام القديم نفسها، نتيجة لحالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده البلاد.
ويشار إلى أن صحيفة الأخبار الحكومية، كانت قد صدرت مؤخرا بمانشيت أثار الكثير من الجدل، إلى حد سحب الطبعة الأولى من الجريدة لتغييره، وهو "ماما قطر توفر الغاز لمصر"، وهو ما اعتبره سياسيون إهانة - إعلامية - متعمدة لمكانة وتاريخ مصر، وظلت محل سخرية كثير من المصريين كان أبرزها الكوميدي الساخر باسم يوسف في برنامجه الشهير.
توجه إسلامي
ويشاع أن الشيخ تميم ذو طبيعة محافظة تميل إلى جماعة الإخوان المسلمين، ويبدو هذا جليا في موجات الدعم القطري في أوقات الأزمات، والتي كان آخرها تقديم 5 شحنات من الغاز الطبيعي المسال بقيمة 300 مليون دولار كهدية للشعب المصري، لحل أزمة انقطاع الطاقة الكهربائية، على أن يبدأ تسليم هذه الشحنات اعتبارا من نهاية يوليو المقبل وحتى منتصف سبتمبر.
وتجلى انحياز قطر الواضح للحكومات الإسلامية التي جاءت إلى سدة الحكم في تونس ومصر على الأخص، في تغطية قناة الجزيرة الإخبارية التي خسرت 5 ملايين من مشاهديها تقريبا حول العالم العربي، وباتت تفتقر للدقة لاعتبارها ذراع سياسية لقطر، التي تراهن على أن الإخوان سيصبحون أكثر قوة فى العقود المقبلة.
وليس من الواضح حتى الآن إذا ما كان ذلك الدعم سيؤثر على علاقات الشيخ تميم بجيرانه الخليجيين، على رأسهم الإمارات في مجلس التعاون الخليجي، إذ أنها تشعر بغضب إزاء تنامي علاقة قطر بالإخوان، وبدأت بالعمل على تقويض النفوذ القطري في كل المجالات داخل المجلس.
ومن المتوقع أن تكشف الشهور القادمة، علاقة تميم بالغرب الذي لا يزال متشككا من نوايا قطر من دعمها للإخوان، وكل ذلك يعد مصدر قلق لواشنطن وحلفائها. ولن تشهد سياسات قطر تغيرا ملحوظا بعد الانتقال الطوعي والسلس في السلطة من الشيخ حمد إلى نجله، لكن غالبية المراقبين يتوقعون أن يكون هناك مزيدا من السرعة والحيوية والحسم بفعل الفارق الطبيعي بين الأجيال.
أسباب الدعم
وتساءلت مجلة "نيوزويك" الأمريكية، قبل أيام، عن الأسباب الحقيقية وراء الدعم القطري لنظام الرئيس محمد مرسى بعد أن أوشك اقتصاد بلاده على الانهيار، جراء ما تعانيه البلاد من أزمة اقتصادية قاسية. المجلة أجابت: بأن الدعم القطري يأتي بهدف "شراء نفوذ" لها في المنطقة.
ونقلت المجلة عن مدير سياسات برنامج الطاقة بالخليج سيمون هندرسون قوله، إن قطر تدعم الآن الإسلاميين في كل من تونس ومصر، وأفرعهم المختلفة كما في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة المقاومة الإسلامية حماس، لأنهم القوة الصاعدة في العالم العربي.
لكن على الجانب الآخر، يرى مراقبون أن ما تساعد به قطر مصر أو الدول العربية لم يخرج عن السياق العام حتى الآن، لذلك فإن الهجوم عليها ليس مبررا، وأن المساعدات عبر شراء سندات خزانة صورة من صور المساعدات، مثلما اشترت الصين سندات لمساعدة اليونان في أزمتها الاقتصادية.
الفكرة ذاتها، أكدها بن جاسم، حينما قال إن بلاده لا تريد وضعا خاصا للتعاون مع مصر ولا تطلب شيئا من حكومتها مقابل الدعم القطري الذي يأتي من منطلق أخوي وقومي وأكد أن مستثمرين قطر سيدخلون المزادات مثلهم مثل الآخرين وأن الدوحة ستدخل في مشروع قناة السويس مثلها مثل الدول والشركات الأخرى.
وأخيرا، يأتي تولي الشيخ تميم زمام الأمور في مرحلة مفصلية تمر بها البلاد مع انتظار معارضي الرئيس لـ"30 يونيو" للانقلاب على نظام الإخوان، وفي المقابل يستجمع مؤيديه قواهم لمواجهة تلك المحاولة، وعليه ربما تتغير العلاقات مع قطر من جديد وعلى أسس جديدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق